كنتُ أحضر صفًا جامعيًا في الطابق الأرضي لمبنى عالي الارتفاع، مبنى لطاما تخيَّلت كيف سأقفِز عنه (1). حَضرتُ صفوفًا في طوابقه العليا سابقًا، وعندما كنت أنظُر من النّافذة، كان يبدو لي عاليًا بما فيه الكفاية. لم أكن قد استجمعتُ قواي في ذلك اليوم لأفعلها، ولكنّي قررتُ أن أزور السطحَ لأرى إن كان متاحًا للتلامذةِ دخوله.
القفزُ عن مبنىً. لو كان معيَ مسدسٌ لربّما كنتُ فضّلتُه – طريقةٌ أسرع للموت. كنتُ ذات مرة قد سألتُ فتاة أخرى – شاركتْ معي في مشروع في إحدى المواد – إن كانت تفكرُ بالانتحار. كنتُ حينها قد تعايشتُ مع الإكتئاب لفترةٍ طويلةٍ، وكان سهلًا عليَّ ملاحظته في غيري. قالتْ نعم، إنها تفكرُ به، فسألتُها عن كيف كانت تنوي فعله. ‘لا أدري، ربّما حبوبُ دواءٍ أو ما شابه”.
طريقة منطقية بالنسبةِ لها. كانت تعيشُ في سكن الطّلاب ومن الصّعبِ أن يُزعجها أحدهم هناك. لم أكن لأفكر يومًا في حبوب الدواء. أين سأتناولها؟ أكيدٌ ليس في المنزل. في أحد حمامات الجامعة؟ ماذا إن لم أمت ووجدوني في حالةٍ سيئة؟ كأنني أقول: “انظروا إليّ، أنا أطلب الاهتمام.” أمر شديد الإحراج. سطحُ المبنى أريح.
خرجتُ من الصفِ عند انتهاء الحصة، وأنا أنوي أن أصعد الطّوابق كلها على الدرج بدلًا من المِصعد. قد يحصلُ أن يُوقف أحدُهم المصعد ويَصعد معي، ويَشعُرَ بالغرابة لأنّني اخترتُ الطّابق الأخير، ولربّما يقولُ لي أن لا صفوف هناك، واضطرُّ أنا حينها أن أُفكر في عذر. الدّرج – الذي لا يستعمله أحد – أكثرُ أمانًا.
حصل أن تزامن خروجي من حصّتي مع جمهرةٍ لبعضِ التّلامذة أمام المِصعد والدّرج. ينتظرون المِصعد للطّلوع إلى أحد الصفوف. يبدو أن هنالك امتحانٌ لأن الأعداد المنتظرة كبيرةٌ. بعضُ الشّبان يمزحون ويضحكون. شعرتُ أنهم يضحكون عليّ. ربّما يبدو عليّ انّني كثيرةُ الإحباط، أو لربّما عَرفوا أنّني أنوي الصعود إلى سطح المبنى للاستطلاع. لا أدري لمَ قد يعتقد أحد أن اكتئابي أمرٌ مثير للسّخرية، ولكن هذا ما فكّرت به. إن لم يكونوا يسخرون منّي الآن، فعندما يرونني أتّجه إلى الدرج سيسخرون عندها بالتأكيد. “يا للفتاة الغبية، تصعد عبر الدرج بدلًا من المصعد.”
أكملتُ طريقي إلى خارج المبنى، وجلستُ على مقعدٍ مواز له. شعورٌ هائل بالإحباط. “يا لك من فتاةٍ حمقاء. لا تجرئين حتى على الصعود للاستطلاع.”
الإنتحار أمرٌ صعب. على الأقل بالنسبة لي. لقد فكّرتُ مرارًا وتكرارًا بالموت، وبكيفية جلبه. في أحد الأيام، جلستُ ممددّة على سريري وأنا أتخيّل ما يشبهُ الرمحَ يدخلُ إلى قلبي ويُوقفه. كنتُ أشعر بقلبي يدقّ، وكان يسبب لي إزعاجًا هائلًا. قلبي الذي يدقّ يبقيني حيّة. مع كل دقّة أتخيّل هذا الرُمح يطعنني من ظهري مباشرة في قلبي ويُوقفه، ويبعثُ فييّ شعورًا عارمًا من الرّاحة.
لقد عبرتُ الشّارع عدة مرّاتٍ متمنيّة بشدّة لو تدهسني سيّارة ما. “يا رب خلّيني موت”. “يا رب موتني”. عندما لم أكن أتكلّم مع تفسي لأوجّه الإهانات، كنتُ أتكلّم مع الله سائلةً إياه أن يميتني.
كنتُ أتذكّرُ صفوفًا دينيةً كنتُ أحضرها أيام الثانوية. دورات الجنود والأنصار (2). تأتي على بالي فكرةٌ كان يشرحها أحد المدرّسين، لا أذكر فحواها بالضبط، ولكنّها تنصّ على أنّ أهم وأكبر نعمة (أو لذة ربّما) للإنسان هو أن يكون موجودًا. وأنّنا من خلال الوجود – أو احتياجنا/سعينا للوجود، بشكل دائم، نستطيع أن نستدلّ على أنّنا خالدون، لأن الله خلقنا وخلق فينا هذا الميل للوجود الدائم، وهو ميلٌ موجودٌ ليتحقّق، وها نحن بالفعل “خالدون” بشكلنا الرّوحي. بل لربّما عُرٍضَت الفكرة على هذا النحو: أن ميلنا القويّ إلى الخلود يعني أن الخلود أمرٌ موجود، وأنّه لو تفكّر (غيرُنا) بالأمر لاستنتجوا أنّنا خالدون بسبب هذا “الاحتياج الشّديد” فينا. حسنًا، لقد كانت الفكرة أكثرَ إقناعًا عندما عرضها المدرّس.
ولكن حتى مع سهولةِ اقناعي، أنا وباقي الفتيات المؤمنات اللّاتي كنّ يَحضرنَ صفوفَ الدورة، أستغربُ الآن كيف لم يطرح أحد سؤال “ماذا عن الذين ينتحرون؟”. هنالك أناس ينتحرون وهم لا يؤمنون بالحياة بعد الموت. ويتخلّون عن الحياة الّتي بين أيديهم الآن، مع كونهم “محتاجون للوجود” بحسب ما يقوله المدرّس.
لا أدري ماذا كان سيجيب. ربّما أنّ كلّ إنسانٍ في قرارةِ نفسهِ الّتي لا يطالها دائمًا، يعلمُ أنه خالد. ولربّما هذا صحيحٌ، لا أدري. ولكن يُزعجني أنه لم يطرح أحد هذا السؤال. أنه لم يأتِ في بالِ أحد من الموجودات في الصف (ومن ضمنهم أنا) أن هنالك أناسٌ ينتحرون، وأن هذا قد يناقض الفكرة المطروحة، ولذا من المناسب طرحُه أمامَها. هذا ما يسمّى بالتفكير النّقدي، أليس كذلك؟
لقد أزعجني أنّني تعلّمتُ التّفكير النّقدي من مكان آخر غير الدّروس الدينية (3). وأنّني كنتُ أحمل فكرًا دينيًا أحبّه جدًا، وكنتُ أريد أن أريَ العالَم مدى جمال ما أحمله، ثم ذهبت إلى العالَم وتبيّن أنّه يفكّر بطريقةٍ أخرى. أن فيه أشياءً كثيرةً جدًا وأفكارًا كثيرةً جدًا. وأن فكري أنا مثلَ أفكار الطفل الصغير أمام تلك الأفكار. أن جلّ ما أستطيعُ فِعله هو محاولة الدّفاع، كلّ يوم، بشكل صعب جدًا – أنا الّتي كنتُ أُريد أن أهاجم. وأني بتُّ تدريجيًّا، ومع كل يوم يمرّ، أكره هذا الفِكر الّذي خذلني.
يصفون هذا الشّعور عادةً بـ”الشعور بالدونيّة”. “أيّتها الكائنات الكارهة لذاتها الشّاعرة بالدونيّة أمام الفكر الغربي” – هكذا قد يبدأ بوست فيسبوكي عند أحد أصدقائي الإفتراضيين. ولا أقصد هنا أن أنتقد هذا التوصيف. هنالك العديد من الأشخاص الكارهين لثقافتهم الشاعرين بالدونيّة أمام الغير (وكنتُ أنا أحدهم)، وتكون جلُّ آراءهم غير متزنّة، وينفعُ أن يُلفتوا للأمر بين الحين والآخر (ولكن أيضًا ليس كل من شخّص أصاب). ربما هي مرحلة طبيعيّة (؟) سيمرّ بها الكثيرون قبل أن يكوّنوا فكرةً أكثرَ اتساعًا عن أنفسهم ووجودهم في هذا العالم.
لو أحضرتَ نفسي التي كانت تريد أن تنتحر من الماضي، وقلتَ لها “أنتِ تشعرين بالدونيّة”، لقالت لك، “أجل، بالطّبع، هذا هو الشعور الوحيد المنطقي”.
(سبُويلر آلِرت لنفسي القديمة: كلا، ليس كذلك.) (4)
تذكرتُ صفّ الجنود وفكرة الخلود في يوم قرّرت فيه أنّني هذه المرة سأقوم بالأمر. سآتي غدًا إلى الجامعة وأرمي بنفسي – من أي مبنى سطحه متاح – عن حقٍ هذه المرة. كنتُ أتناقش مع الله داخل عقلي، أقول له أنّه لا يحقّ له أن يُدخلني النار إذا انتحرت، لأنني لم أطلب أن أُخلَق أصلًا. “كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيته” – أنا على أقل تقدير مسؤولة عن نفسي وحِفظها، ولذا فالله يُدخلني النار إذا قتلتها. حسنًا، ولكن لمَ يجب أن أتحمّل هذه المسؤولية؟ لمَ يجب أن اتحمّل مسؤوليّة نفسي والبقاء على قيد الحياة، وأنا لم يَأخذ أحد إذني قبل أن يَخلقني؟ أُخلَقُ غصبًا عنّي ثمّ عليّ أن اتحمّل مسؤوليّة أنني خُلقت. هذا غيرُ عادل. الله عادل، لذا لا يمكن له أن يُدخلني النار.
تمنٍّ أم حقيقة؟ كنتُ أوّد لو أن الحياة بعد الموت تُزال، لو أنّني ليسَ عليّ أن أقلق بشأنها. لو كان هنالك مثلًا زرّ، يمكنني أن أكبسه، وأُمحى من الوجود – أن لا أعود موجودة ابدًا، لا إلى جنة ولا إلى نار. لذا كنت أستحضر الفكرة الدينية الآنف ذكرها بكثير من السخرية في بالي، وأفكر كم أن المدرّسين والطّالبات في الدّرس الدّيني “بريؤون” ولم يمرّ عليهم شيء من مصاعب الحياة، ويَسهل عليهم التحدّث بثقة.
إلّا أن الزرّ ليس موجودًا، ومن المستحيل أن أعرف إن كنت سأكبسه حقًا.
في اليوم التّالي، استقلّيت سيّارة إلى الجامعة وأنا أفكّر في أن أرمي نفسي من أحد المباني الأقل ارتفاعًا لأنها أقرب من مدخل الجامعة، وبذلك ينتهي الأمر أسرع. وكنتُ أتخيّل حينها، كما في بعض الأحيان الكثيرة التي أتخيّل انتحاري وما يحصل بعده، أنّني ربّما لن أموت، وربّما لن أتضرّر بشكلٍ كبير، وربّما سيلاحظ الناس حولي كم أن حياتي “صعبة” (لم يكن شعوري بالدونية الثقافية الأمر الوحيد السّيء في حياتي)، وربّما سيساعدونني أو يتفهمونني أكثر. وصلتُ الى المدخل ووقفت بالقرب منه، أفكر إلى أين أذهب، إلى صفّي أو إلى المبنى القريب ذو الطوابق الثلاثة. لم أستطع تجاهُلَ ما كنت أفكر فيه قبلًا عن انتحاري العجائبي الذي ينتهي بي حيّة، وقلتُ بيني وبين نفسي، “اذا ما بدك تموتي ما تنتحري.”
قلت لله، بيني وبين نفسي أيضًا، “حسنًا، سأكمل هذا النهار.”
أكملتُ النّهار الذي كان من المفترض أن يكون صعبًا لأسباب ليس من المتّسع ذكرها. وكما يقول المتدينون، تيّسرت الأمور بشكل غير متوقع. (5)
لم تتحسّن أموري بشكل متسارع وقتها، ولكنها تحسنّت تدريجيًا. الآن بعد عدة سنوات، تبدو فكرة الانتحار فكرة بعيدة جدًا. أنا موجودة، وعلى أقل تقدير، لستُ منزعجة من وجودي.
أعتقد أنّني لو كنتُ انتحرت لم أكن لأَدخل النار، كما أنّني لا أعتقد بشكلٍ عام أن النّاس الذين ينتحرون يدخلون النار. ولكن يعتقد البعض أن قول ذلك يشجع على الإنتحار. لا أدري إن كان ذلك صحيحًا، ولا أدري إن كانت فكرة دخول النار ردعتني وقتها، لذا سأُبقي ما قلته عند هذا الحد (6).
ليس عندي الكثير من النصائح لمن يمر بتجربة مماثلة. ما قد يدفعني للتفكير بالانتحار يختلف عن أي شخص أخر. ولكن في حال كنتَ شخصًا وحيدًا، جد أحدًا لتتحدث معه. ما كان سيقتلني في الحقيقة هو الوحدة.
حسنًا، الوحدة وطفولة سيئة ووضع مادي سيء وقلق مفرط ومستمر من احتمال خسارة هاتفي الشخصي، وبالتالي اتصالي بالإنترنت، لأن الشخص الذي ساعد بإحضاري إلى هذه الحياة (7) يشعر أن التلفون والإنترنت تهديد لسلطته ولن يُصدق متى تأتي الفرصة لمنعهما مجددًا (8). ولأنني بدأت أستعمل الإنترنت لأول مرة في حياتي عندما دخلت الجامعة وكنتُ فتاة تتعرف إلى العالم في الثامنة عشرة، ويسخر منها بعض الطلاب بسبب انبهارها بأشياء بديهية. ولأن النسويات على الإنترنت كن يقلن أن سبب كل مشاكلي هو النظام الأبوي (9)، وكنت أرى أن “النظام الأبوي” الذي يتحدثن عنه هو جزء بديهي من الدين، ولم أكن أريد أن يكون الدين خاطئًا (10). ولكنهن كن مقنعات جدًا وكل ما يقلنه يطابق حياتي وما أشعر به. ولأنني تربيت أن أكون مطيعة وخاضعة ثم تبين أن العالم لا يرحب بالأشخاص المطيعين الخاضعين.
ولكنني أتحدث عن الوحدة بالذات لأنني في كثير من الأوقات وددت لو أن هناك أحد ليستمع. مشاكلي صعب حلها، ولكن لو استمع أحد ما ونظر إلي ببعض الألم لكان الأمر أكثر احتمالا: هنالك شخص في مكان ما عرف بي وبما يؤلمني.
لم أجد شخصًا كهذا، ولكنني اكتشفت أنني أميل إلى التحرر من الأفكار بعد كتابتها. ينفع ذلك مع بعض البشر: نفكر ونغوص وننزعج من فكرة معينة ثم عند كتابتها تذهب بعيدا.
أستميحك عذرًا أيها القارئ لأنني “استخدمتك” اليوم للتحرر من بعض الأفكار. والشكر الكثير لمنصة فُتات التي جعلتني لأول مرة أكتب في مكان “يشبهني”.