هذه المدونة هي محاولة شخصية للعودة إلى القراءة والتعلّم أكثر عن العالم الذي أعيش فيه، وهي أيضا مساحة سرد وتفكّر في ما مر ويمر عليّ من حوادث الزمن. الاسم المستخدم هنا (غدير ياسين) هو اسم وهمي، وهو قريب من اسمي الحقيقي، وليست دواعي استخدامه اخفاء الهوية بقدر ما هي محاولة لعزل شخصيتي المهنية (وربما أيضا - العائلية؟) عن ما أكتبه هنا.
لدي مشكلة تتلخص في أنه من المتعذر عليّ أن أتعلم في عزلة (المعنى الأقرب الذي أقصده هنا هو learning in a vacuum)، وهذه المشكلة عادة ما تدفعني إلى التفكير في التالي: هل - على عكس ما أتخيله عن نفسي - لست مؤهلة لأكون شخصا مفكرا ومثقفا، أو حتى متعمقا في عالم الفكر والمعرفة-؟
يخطر لي أحيانا وجودَ أشخاصٍ متعمقين في مجالات معرفية، يقرأون ويتعلمون من غير حاجة كبيرة إلى التعاطي مع الآخرين بشكل دوري (وأنني أفشل في ذلك، لذا فربما لست محبة للمعرفة بحق). لكن لعلّ خاطرتي هذه غير صحيحة - لعلّه من شبه المستحيل أن يوجد انسان يتعلم ويفكر (خصوصا في مراحل بناء الشخصية الفكرية) من دون أن يتعاطى مع بشر آخرين حوله (أصدقاء، معلمين، زملاء دراسة، زملاء عمل، أخصام فكريون) - حتى وإن كان عبر الكتابة حصرًا.
والحال أنه ليس عندي أي علاقات "حقيقية" مع أناس آخرين، وذلك غالبا بسبب انطوائيتي الزائدة، مع عدم وجود مساحات وفرص للقاءِ أشخاص لهم نفس الاهتمامات في العالم الذي أنا منه. لذا أحاول الآن تعويض ذلك بالكتابة إلى قارئ متخيل مجهول.
ولكن لأكون أكثر صراحة، هنالك مشكلة أخرى تثقل عليّ أي جهد باتجاه التثقيف الذاتي: أنني أشعر أنني أتيت متأخرة جدًا. أن الناس الذين هم في عمري (وأنا أصير في الثلاثين بعد أقل من شهر) ممن لهم اهتمامات وقابليات ثقافية، سبق أن قامو بمراكمة معرفية طويلة الأمد، وأن لا أمل لي باللحاق، ولا قدرة لي بأن أشارك - كفرد فاعل - في العوالم حيث يتحدث الناس عن أشياء مهمة.
الشعور بالتأخر هو نتاج لمأساة كبرى حصلت في حياتي: أنني على الرغم من كوني منذ صغري انسانة محبة للمعرفة ولاكتشاف العالم، حصل أن عشت داخل جماعة (دينية-سياسية) مقفولة جدا من حيث القدرة على الولوج إلى أي معارف غير موافَق عليها مسبقًا، كما أن نفس هذه الجماعة تولي أهمية كبرى للانتماء ال"نقي" والتسليمي، وإلى التعاطي بدرجات متفاوتة من الرفض والسلبية اتجاه كل ما هو خارج عنها (خصوصا عندما نتحدث عن الشق الأكثر تدينًا داخل الجماعة، الذي كان لي الحظ السيء في الولادة داخله).
اجتمع عليّ كل هذا، وأدى بي إلى عيش حياة كنت فيها محصورة داخل نطاق فكري ضيق جدًا (من دون أن أعي ذلك)، وقد زاد من ضيقه كوني امرأة (وفي هذا تفصيل كثير). جلّ ما كنت أفكر فيه وأتخيل نفسي أناقشه كان لا يخرج عن سقف “معارف الجماعة المتدينة” (التي عندما لا تكون معارف دينية، تكون معارف سطحية ومتهافتة في معظمعها).
لقد أمضيت المنتصف الأول من عشرينياتي وأنا أحاول أن أعقلن وأن أتناقش - نقاشات داخل رأسي غالبا، لأن النقاش الحقيقي شبه مستحيل داخل البيئات المقفولة فكريا - أن أعقلن وأن أتناقش في أشياء واضحة الفساد الفكري والأخلاقي، وأقصد هنا العناصر المتخلفة من الدين التي كانت أمورا مفروضة (أو منظّر لها) ولها مساحة واسعة من الوجود في حياتي وحياة المجتمع حولي، والتي كنت أنا أرى فيها مشكلة كبيرة.
يمكن تلخيص مأساتي الشخصية في أنني علقت لفترة طويلة من حياتي في محاولة صياغة اعتراضات وانتقادات محكمة لأشياء من المفروض أن البشرية تجاوزتها منذ مئتي سنة إلى الوراء. وأنني عندما فهمت أن الدين من أساسه غير صحيح (/غير حقيقي/صناعة بشرية/ - اختر التعبير الذي يعجبك)، وتلى ذلك خروجي من جماعتي بطبيعة الحال (- وطبيعة الحال هنا، مجددا، لها ارتباط وثيق بكوني امرأة -) عند خروجي من الدين والجماعة معا، وجدت نفسي أقف أمام عالم من الأفكار والمعارف ذات الحيثية العميقة والمعاصرة، عالم لا مكان لي فيه بتاتا، لأن كل ما في جعبتي لا يعدو مستوى سطحي من المعارف المتناثرة، مع جهل شبه تام بالأحوال السياسية التي شكلت وتشكل العالم من حولي.
الجماعة التي أنتمي لها بالولادة هي بيئة حزبالله (التي تمثل الجزء الأكبر من الطائفة الشيعية في لبنان)، وقد حصل أن ولدتُ داخل شق منها تشكل تحت التأثير المباشر للتنظير السياسي-الديني الذي وفد بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وهو شق مرتبط بشكل وثيق بعالم الحوزات الدينية ورجال الدين، والذي حاول مع مرور الوقت الحفاظ على ما أمكن من نقاوة البدايات.
يتصف مجتمع ال"ملتزمين" هذا بإيلاء أهمية كبرى للعيش وفق طريقة إسلامية، مع محاولة حثيثة ل"دحش" الأحكام الفقهية في كل شاردة وواردة، وازدراء كبير لكل ما يمكن تصنيفه بأنه "غربي" (فكر، فن، معرفة). ذلك بالإضافة إلى مستوى مرتفع من السلوك الذكوري، والهوس بالحجاب والتحكم الدائم بمظهر وسلوك النساء، والتمسك بأكثر الأفكار راديكالة وغيبية فيما يخص فهم العالم - حتى مع تغير الأمور داخل إيران نفسها.
لقد استمر واستفحل هذا النمط من العيش طويلا (لأسباب ليس أقلها أنه النمط المروّج له من قبل قيادة الحزب نفسها)، وصبغ معظم مراحل حياتي بكثير من السواد، وبفقدان مقومات أساسية للكرامة الإنسانية. ومع كونه آخذ تدريجيًا بالأفول (من ناحية الصرامة الشديدة وخنق الحياة اليومية)، لا زلت أجده من المناسب الكلام عن هذه الموجة “الخمينية” إذا صح التعبير، لناحية التوثيق، ولفهم حياتي أكثر.
من الجيد التوقف هنا للقيام بشيء من وحي معادلة الستة وستة مكرر اللبنانية، وأقصد هنا أنه متى ما انتقدت طرفا من الأطراف المتصارعة على الساحة العربية/الشرق أوسطية، وجب عليك التذكير بأن هذا لا يجعلك أوتوماتيكيا مؤيدا لأطراف أخرى تقف ضد الطرف نفسه. أفكر في أنني سأكون مضطرة إلى وضع قطعة كتابية مكررة تحت كل مرة يرد فيها اسم حزبالله أو الجمهورية الإسلامية في إيران بذكر سلبي، أقول فيها شيئا كالتالي: تبا وسحقا للحزب والحركة والقوات والكتائب، تبا وسحقا لأنظمة إيران والسعودية والإمارات وقطر، تبا وسحقا لقناة الجزيرة والمنار والعربية والميادين، تبا وسحقا لاسرائيل وحماس وسوريا الأسد وسوريا الشرع، تبا وسحقا للسنة والشيعة. وجود عناصر شديدة التخلف ضمن جماعة ما لا يعني أن الجماعة تستحق الإبادة. لا يوجد سبب يجعل جماعة ما تستحق الإبادة.
***
أكتب هذا النص من مكان النزوح الذي وفدت إليه مع عائلتي (أمي وأخواتي) عند بدء الحرب (أو عودة تفجّرها) بداية هذا الشهر في لبنان. يبدو العالم على أبواب حرب عالمية ثالثة، ويبدو الاهتمام بما هو اجتماعي وثقافي آخر ما قد يخطر على البال. ولكن ربما هو العكس، ربما الخضة التي تجلبها الحرب تدفع بالمرء إلى التفكير فيما هو مهم.
على كل حال، لست أنوي أن "أسوّق" هذه المدونة أو أشير لها بأي شكل علني حاليًا، إلا ربما لصديق أو اثنين. يبدو الكلام عن تجارب قاسية فيما يخص الظلم الاجتماعي أو الاسفاف الفكري أو غيرهما ضمن بيئة حزبالله نوعًا من انعدام الحس السليم في الوقت الذي يحصل فيه ما يحصل.
كان في جعبتي كلام أكثر أوّد إيراده هنا، يتعلق بمن أنا ومن كنته ومن أصبحته، وعن سؤال الانتماء، وعن أمور كثيرة غيرها (قمت بنشر هذه القطعة من أرشيفي الشخصي على أساس أنني سأشير إليها هنا). كنت أحاول انهاء هذا النص منذ أكثر من أسبوع من دون نجاح (توفي خلاله أحمد قعبور، فقمت بتغيير أغنية الصفحة من "أهو دا اللي صار" إلى "أناديكم" - وقد اتفق أن تناسبت الأغنية مع كوني قد تكلمت عن "مأساتي الشخصية" آنفا). أرى أنني أطلت الكلام، لذا أتوقف هنا، وأرجو الالتقاء مجددا بالقارئ في صفحات أخرى.